الحياة الثانية للصور

  • Image Caption

قمت بتصميم هذا البرنامج لعرض الفيديوهات بناء على دعوة جائتني من القائمين على تنظيم مهرجان القاهرة للفيديو في دورته التاسعة 2019.
ونظرًا لاهتمامي بتاريخ استخدام المجسمات والصور واللقطات والنصوص سابقة التجهيز في إنتاج الأعمال الفنية، فقد اخترت سبعة فيديوهات اعتمد صانعوها على تقنية (اللقطات المعثور عليها/Found Footage) سواء بشكل كامل أو في أجزاء من الفيديو.

*****

“اللقطات المعثور عليها” كأداة لصنع فن الفيديو
في بداية القرن العشرين وبالتحديد في إبريل 1917، وضع مارسيل دوشامب مبولة في قاعة جراند سينترال بالاس في نيويورك، وأطلق على عمله الفني اسم “نافورة”، ومنذ تلك اللحظة تغيرت الكثير من الأشياء في فهم عملية الإنتاج الفني، وفي فهم مدلولات كلمة فنان نفسها.
فأصبح استخدام مواد سمعية بصرية كانت موجودة بالفعل -وليس بالضرورة أن يكون انتاجها الأصلي مرتبط بالفن- في أفلام/فيديوهات، يدخلها إلى حيز الإنتاج الفني كما سبق وفعل دوشامب مع المبولة.
فنافورة دوشامب (المبولة سابقة التجهيز) قدمت موقفًا قويًا لتجاوز المفاهيم الجمالية غير المرنة في ذلك الوقت، كما غيرت مفهوم عمل الفنان نفسه وشرط قدرته على الخلق أو الصنع بيده الماهرة.
“النافورة” كانت مجسم لم يتم انتاجه بأيدي الفنان، كانت فقط مجسم يسمح للمتلقي بالتواصل مع الأصل “المبولة” والتي لا تزال موجودة بذاتها، ولكنها أيضًا موجودة في حالة فلسفية وميتافيزيقية متغيرة تغازل ذهنية المتلقي. في تجسيد واضح للسامية الكانطية، فهي عمل فني يتجاوز شكلًا ما ولكنه مازال موجودًا بالفعل، مجسم يلغي فكرة وفي نفس الوقت يسمح لها بالظهور بحضور أقوى ومتجاوز.
ربما يكون هذا أيضًا ما يفعله استخدام لقطات معثور عليها في إنتاج فيلم أو فيديو!
ففي عالم الفن المعاصر يقف تجهيز الفيديو (الساعة/ The clock) الذي قام به الفنان (كريستيان ماركلاي/ Christian Marclay) عام 2010 كأشهر فيديو تم إستخدام فيه تقنية اللقطات المعثور عليها، فقد أخذ ماركلاي الآلاف من المشاهد السينمائية والتلفزيونية والتي تظهر بها ساعة حائط أو ساعة يد أو منبه أو حوار به إشارة لوقت محدد، وقام بترتيبهم لصنع فيديو مدته 24 ساعة تشير كل دقيقة تظهر على شاشته إلى الوقت الفعلي، مما جعل الفيديو نفسه أشبه بساعة حائط كبيرة وحية داخل الجاليري أو المتحف، تحتوي على الآلاف من اللقطات والصور المعاد استخدامها.

النحت في الزمن
في كتابه “النحت في الزمن” يقول المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي:
“ما هو أساس عمل المخرج؟ نستطيع أن نحدد هذا العمل باعتباره نحتًا في الزمن. مثلما يأخذ النحات كتلة من الرخام ويزيل كل ما هو ليس جزءًا منه، واعيًا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع الفيلم .. من “كتلة الزمن” المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة، وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظًا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرًا للفيلم المنجز، وبما سوف يثبت أنه متمم للصورة السينمائية”.
عند استخدام لقطات معثور عليها لا يوجد احتياج لوجود كاميرا لصناعة الفيلم/ الفيديو، فتكون عملية المونتاج هي أساس العملية الإنتاجية تقنيًا، إذن فالمونتاج هو بمثابة المعادل لأداة النحت بالنسبة لصانع الفيديو، الذي يحذف به زوائد كتلته، ولكن الفرق الوحيد أن هذه الأداة ليست إزميلًا فقط لحذف الزوائد عن الكتلة الحجرية -كما أشار تاركوفسكي- وإنما هي آداة لنحت عمل طيني يتحمل الإضافة كما يتحمل الحذف على السواء.

اختيار وبرمجة: علاء عبد الحميد